ابن بسام
252
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
الآداب ، لشدّ ما قدحوا زند الوحشة فصادفوه - والحمد للّه - جدّ شحاح ، وأوكبوا لنار الفرقة فلم يستضيئوا منها بمصباح ، وظنوا أنه قد / ورد من جواب كريم فكتمته كتم الأرض ، ولم أهشّ لنافلة الشكر عليه فضلا عن الفرض ، وهيهات لوجه الصّبح المتبرّج من كتم ، ولنسيم زهره المتأرّج من ختم ؛ غير كلمه العذب ، بل لؤلؤة الرطب ، يجهل للخمول سراه ، فلا يفضل عن ستر الراح سناه ، ولا يحمّل مثقلات الرياح من طيب شذاه ، فليحيّنا منه بقطف يجنينا ثمر السرور ، ويعفينا من وصمة التقصير بنا والقصور ، فما زلت - أراه اللّه ما تمنّاه - أكرم بني الأيام عهدا ، وأحكمهم عقدا ، وأبعدهم من الآفات ودا ، وأحمدهم قربا حميدا وبعدا ، وأصعبهم على الزّمان الغادر مراما ، وأشدهم أنفة وعراما ، من أن ينقاد طوع زمامه ، ويتصرف - وقد جئت خاطب ودّه في تضريج أنفي بدم - على أحكامه ، لا همّ إلا أن يكون ذلك منه - صرف اللّه صروف الليالي والأيام عنه - سترا على ما عهده من تأخر كلمي ، وتعثّر قلمي ، واستعجام بناني ، وقيام ظلّ البلادة دون إحساني ؛ فهل شعر أنّه قد نبل الناس ، وظهر النسناس ، وكلّم الرّمل الهزج ، وسيط غير ما شيء فامتزج ! ! ولذلك ما أقدم بي قدم الإعجاب ، واستؤذن لي على دولة الكتابة بعد طول حجاب فافتتحت مطالعة حضرته البهية ، أراني بنيل هذه الرتبة العلية للنجم راكبا ، وللسّعد مواكبا ، وإن كنت متكاتبا لا كاتبا « 1 » ، وقاعدا حين تطارد فرسان الكتابة لا جائيا معهم ولا ذاهبا ؛ ما ضرّه لو قارضني على الجدّ ولو هازلا ، وسابقني إلى غاية الودّ وأنا الراكب المنبتّ فيسبق مستريحا نازلا ، بل ما ضرّه لو فتق لهاتي وقد همّت ، وسدّد سهام كلماتي وقد ألمّت ، بمكنون الدرّ ، من ألفاظه الغرّ ، ومخجل الزهر ، من حكمه الزهر ، فيدني من ذي حرص عليه / أمله ، ويبعث جذله ، ويكون جمال إصابته له ، فلم حرمني جوابه ، وتغافل عنّي وقد قرعت بيد الثقة بابه ، ألا سلّم للأيام ، في إحالتها طباع الكرام ، وأنشد : ومن صحب الدنيا طويلا تقلّبت * على عينه حتى يرى صدقها كذبا « 2 » كلّا ، لا أسلّم لها فيه ، ولا أوجدها « 3 » السبيل إلى شين معاليه ، ولو ضاعت هذه الثانية ضياع سراج في شمس ، ولقيت من إعراضه عنها ما لقيت أختها بالأمس ، فليصل
--> ( 1 ) لا كاتبا ؛ سقط في م س ل . ( 2 ) البيت للمتنبي ، ديوانه : 218 . ( 3 ) ل س : أوجد لها .